أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
463
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . فهذا نهاية القول في تخريج هذه القراءة . وقد زعم قوم لا اعتبار بهم أنها لحن ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهة غلط كاتب المصحف ، قالوا : وأيضا فهي في مصحف ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء ، وفي مصحف أبيّ كذلك ، وهذا لا يصحّ عن عائشة ولا أبان ، وما أحسن قول الزمخشري رحمه اللّه : « ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ومن لم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتتان ، وغبي عليه أنّ السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة عن الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يقولوا ثلمة في كتاب اللّه ليسدّها من بعدهم ، وخرقا يرفوه من يلحق بهم » . وأمّا قراءة الرفع فواضحة . قوله : وَالْمُؤْتُونَ فيه سبعة أوجه أيضا ، أظهرها : أنه على إضمار مبتدأ ، ويكون من باب المدح المذكور في النصب . الثاني : أنه معطوف على « الرَّاسِخُونَ » ، وفي هذا ضعف ؛ لأنه إذا قطع التابع من متبوعه لم يجز أن يعود ما بعده إلى إعراب المتبوع فلا يقال : « مررت بزيد العاقل الفاضل » بنصب « العاقل » وجر « الفاضل » ، فكذلك هذا . الثالث : أنه عطف على الضمير المستكنّ في « الرَّاسِخُونَ » ، وجاز ذلك للفصل . الرابع : أنه معطوف على الضمير في « الْمُؤْمِنُونَ » . الخامس : أنه معطوف على الضمير في « يُؤْمِنُونَ » . السادس : أنه معطوف على « الْمُؤْمِنُونَ » . السابع : أنه مبتدأ وخبره « أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ » ، فيكون « أُولئِكَ » مبتدأ ، و « سَنُؤْتِيهِمْ » خبره ، والجملة خبر الأول ، ويجوز في « أُولئِكَ » أن ينتصب بفعل محذوف يفسّره ما بعده فيكون من باب الاشتغال ، إلا أنّ هذا الوجه مرجوح من جهة أنّ « زيد ضربته » بالرفع أجود من نصبه ، لأنه لا يحوج إلى إضمار ، ولأنّ لنا خلافا في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنفيس في نحو « سأضرب زيدا » منع بعضهم « زيدا سأضرب » ، وشرط الاشتغال جواز تسلّط العامل على ما قبله ، فالأولى أن نحمله على ما لا خلاف فيه . وقرأ حمزة : « سيؤتيهم » بالياء مراعاة للظاهر في قوله : « وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » ، والباقون بالنون على الالتفات تعظيما ، ولمناسبة قوله : « وَأَعْتَدْنا » وهما واضحتان . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 163 إلى 168 ] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 165 ) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ( 167 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 )